أحمد بن علي القلقشندي

281

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

منها إلى شكلها وتضاف إلى وفقها ( 1 ) ؛ وسوء الرّصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها ، وصرفها عن وجوهها ، وتغيير صيغتها ، ومخالفة الاستعمال في نظمها . وقد قال العتابيّ ( 2 ) : الألفاظ أجساد والمعاني أرواح ، وإنما تراها بعيون القلوب ، فإذا قدّمت منها مؤخرا وأخرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيرت المعنى ، كما أنه لو حوّل رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رأس أو رجل لتحوّلت الخلقة ، وتغيّرت الحلية . قال في « الصناعتين » : وقد أحسن في هذا التمثيل . قال الوزير ضياء الدين بن الأثير رحمه اللَّه في « المثل السائر » : وهذا الموضع يضلّ في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر ، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم منه رائحة ! ومن الذي يؤتيه اللَّه فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ( 3 ) ، حتّى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في مواضعها ؟ وذلك أن تفاوت التفاضل لم يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها ، إذ التركيب أعسر وأشقّ ، ألا ترى أن ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملتها العرب ومن بعدهم ، وهي مع ذلك تفوق جميع كلامهم وتعلو عليه ، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب . وانظر إلى قوله تعالى : * ( وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعِي وغِيضَ الْماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * ( 4 ) وما اشتملت عليه هذه الآية من الحسن والطلاوة والرونق والمائية الَّتي لا يقدر البشر على الإتيان بمثلها ، ولا يستطيع أفصح الناس وأبلغ العالم مضاهاتها ؛ على أن ألفاظها المفردة كثيرة

--> ( 1 ) في المرجع السابق : « وتضاف إلى لفقها » ؛ واللفق هو أحد لفقي الملاءه . ويقال : تلافق القوم أي تلاءمت أمورهم . ( 2 ) هو كلثوم بن عمرو بن أيوب التغلبي : كاتب حسن الترسل ، وشاعر مجيد ، صنّف كتبا منها : « الألفاظ » و « الآداب » و « الحيل » . توفي سنة 220 ه . ( الأعلام 5 / 231 ) . ( 3 ) إشارة إلى الآية 35 من سورة النور . ( 4 ) سورة هود / 44 .